أدهم صبري 2010

لم يكن ذلك التصريح لرئيس المخابرات شيئاً عادياً , منذ اللحظة الأولى الذي ظهر فيها البيان ومبنى المخابرات المصرية العامة مقلوبٌ رأساً على عقب .

 

..

.

- خلية نحل , هذا الوصف الوحيد الذي يصلح لهذا المكان اليوم , زحام غير طبيعي ترى يا أدهم ماذا يحدث؟

كانت الرفيق منى تتأبط يده في حميمية متناهية .. ترك يدها تنساب في حركة بسيطة

- لا بد أن تصريح رئيس المخابرات الإسرائيلية أزعج رئيسنا , لا يبدو الوضع مطمئناً .. على البتة !

قابلهما قدري وهو يتناول شطيرته الصباحية وفمه مملوء بالطعام

- أدحم , المدير يريدك فوراً وفي غاية الأهمية

- كالعادة , مالجديد , دوماً يريدني فوراً وفي غاية الأهمية !!

 

..

.

لم يشاهده بهذه العصبية من قبل , لأول مرة يراه يشرب سيجارة ينفث دخانها بضيق شديد .

- اجلس يا أدهم , حمداً لله على وصولك سريعاً, كيف حالك اليوم , بالمناسبة هل اطلعت على الأخبار هذا الصباح ؟

- لا ليس بعد , لكني أعرف تقريباً مالذي يزعجك لهذا الحد , أعرف الخبر منذ الأمس

- أي خبر ؟ هل تقصد هذا ..

ورمى بالجريدة أمام أدهم الذي تناولها بإهتمام بالغ وأخذ يقرأ

- هذا العجوز لم يتغير منذ فترة , تعرف أنه يهذي بما لا يعرف .. أو ربما نسي عمليتنا الأخيره داخل مكاتبهم في تل أبيب

- لا يا أدهم هذه المرة أشعر أنه لا يهذي , وإن كان يهذي … أريده ألا يهذي به مرة أخرى , أبداً !

كاد المكتب يتحطم تحت قبضة مدير المخابرات التي هوت عليه بعنف بالغ , وأدهم يغادر المكتب في هدوء ..

..

.

- حسناً ماذا قال لك يا أدهم ؟

قابلته الرفيق منى تحمل كأسي قهوة ساخنين .. تناول إحداهما مسرعاً

- هل أنا معك , أم لا ؟؟ أعطني بعض الإهتمام من فضلك

-لا يامنى  .. ليس هذه المرة … هذه العملية خطرة جداً … جداً

ارتعدت منى كأنما لفحتها موجة صقيع مباغتة كتلك التي في سيبريا , فأدهم كان يعني كل حرف في كلماته

يعني كل حرفٍ تماماً .

 

..

.

بدون عنوان – الفصل الأول

شتاءٌ قارص , صقيع ينهمر ليفصل بين البيوت ويعيد تلوين الشوارع

الشوارع السوداء أضحت بيضاء, كأنها من أمر الثلج بالنزول عليها ليغطي عوراتها

مصابيح الطريق خافتة كأنما تضيء على إستحياء , بينما انطفأ بعضها الآخر

إنسٌ وحيوان .. متشردون كما يُطلق عليهم

تجمعٌ صغير .. حول كوةٍ تستعر بحرارة تذيب الجليد المتكوم حولها

جمعهم زقاق واحد .. نارٌ واحده .. وهدفٌ واحد . كان ليلتها : البقاء على قيد الحياة

 

 

معطفه السميك وقاه بعض البرد , إلا أنه كان يمشي مرتجفاً يتلفت هنا وهناك

يحمل قدمه كأنما يمشي في وحل

خطوة وراء خطوة … وصل أخيراً لمبتغاه

 

 

الضوء الخافت من النافذة والبخار المتكون عليها , أعطاه إحساساً كاذباً بالدفء , ربما بالدفء بعد قليل

…هرول سريعاً إلى الباب

دق الباب دقات مرتجفه ,   ثوانٍ مرَت وهو يفرك يديه

فُتح الباب ودلف سريعاً

 

لفحت حرارة المكان وجهه , كان يفتقد الحرارة جداً بعد تلك البرودة التي نهشته في الخارج

احس بيدها تمتد من خلفه لتخلع المعطف .. استسلم في هدوء .. والتفت مبتسماً

 

الصمت يملاً المنزل .. عدا ذلك الحطب المشتعل في الموقد في جانب الصالة

ألسنة اللهب تتراقص بشكل يضيف للمكان رهبة وحرارة

رأى وجهها وابتسم

 

 

قطعتها ضحكتها الصمت المهيمن على المكان

كم ستصبح جداً رائعاً , شاربك الأبيض , وضحكت مرة أخرى

مد يده سريعاً ليزيل الثلج المتكوم على شاربه ووجهه

 

احتضنته … احس بحرارة أنفاسها على رقبته

حرارةٌ أذابت كل صقيع المكان

الأرشيف

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 2,138 other followers